تُعد الكوارث الطبيعية والبشرية من أكثر الأحداث تأثيرًا على الصحة النفسية للأفراد والمجتمعات. فبعد الصدمات الكبيرة، يحتاج الناجون إلى دعم نفسي ممنهج يضمن تعافيهم على المدى الطويل. تستعرض هذه المقالة إستراتيجيات عملية مدعومة بالأدلة العلمية لتعزيز الصحة النفسية بعد الكوارث وتحقيق التعافي المستدام.
الدعم النفسي الأولي (Psychological First Aid - PFA)
يُعد الإسعاف النفسي الأولي خطوة أساسية لمساعدة الأفراد على التعامل مع الصدمة فور وقوعها، ويشمل:
· الاستماع الفعّال دون إصدار أحكام.
· توفير الأمان الجسدي والنفسي.
· توجيه الأفراد إلى الموارد المناسبة.
الأثر العلمي: أظهرت دراسات متعددة أن هذا النوع من التدخل المبكر يقلل أعراض اضطراب ما بعد الصدمة ويعزز القدرة على التكيف (WHO, 2023).
تعزيز المرونة المجتمعية (Community Resilience)
تظهر المجتمعات التي تمتلك مبادرات دعم جماعي مرونة نفسية أعلى، إذ يُسهم الدعم الاجتماعي في تقليل آثار الصدمة وتعزيز قدرة الأفراد على التكيف.
مثال دولي: دراسة في جنوب السودان أظهرت أن العيادات النفسية المجتمعية ساعدت في تقليل الأفكار الانتحارية بين الناجين من النزاعات (EMRO, 2022).
دمج الصحة النفسية في خطط الاستجابة والتعافي
توصي منظمة الصحة العالمية وإدارة الخدمات الصحية الأمريكية بدمج الصحة النفسية في جميع مراحل إدارة الكوارث:
· الاستعداد: تدريب فرق الطوارئ على الإسعاف النفسي الأولي وإنشاء مراكز دعم مؤقتة.
·الاستجابة: فرق دعم متنقلة لتقديم جلسات جماعية وفردية.
·التعافي: برامج تعافٍ طويلة الأمد مثل WRAP وورش تعزيز المهارات النفسية.
أمثلة دولية:
· إعصار كاترينا (2005): دمج الاستشارات النفسية في مراكز الإغاثة ساعد على تقليل الاكتئاب طويل الأمد.
·كوفيد-19: أنشأت دول عديدة وحدات دعم افتراضية لتقديم استشارات للمتأثرين والكوادر الصحية، مما خفّف من الضغوط النفسية والإجهاد المهني.
الجهود المحلية في المملكة العربية السعودية
ضمن استجابة المملكة لجائحة كورونا، أطلقت مؤسسة الأميرة العنود الخيرية بالتعاون مع المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية في أبريل 2020 مبادرة الدعم النفسي المجاني. استهدفت المبادرة الفئات الأكثر عرضة للضغوط النفسية مثل الأفراد في الحجر الصحي، المصابين، كبار السن، وذوي الإعاقة، وقدمت استشارات نفسية متخصصة عبر كوادر مؤهلة وبأعلى درجات السرية والأمان.
ساهمت هذه المبادرة في تعزيز التكيف النفسي للمجتمع خلال الأزمة وتخفيف الضغوط عن الفئات المتضررة، مما جعلها نموذجًا مهمًا للاستجابة المحلية في أوقات الكوارث.
برامج التعافي المدعومة بالبيانات (Data-driven Recovery Programs)
برامج مثل Wellness Recovery Action Plan – WRAP تركز على:
· تعزيز القوة الذاتية.
· وضع أهداف شخصية.
· تطوير استراتيجيات مواجهة مستمرة بعد الكوارث.
التدريب على الرعاية النفسية بعد الصدمة
يُعد تدريب الكوادر الصحية والنفسية على فهم آثار الصدمات وكيفية التعامل مع الأشخاص المتأثرين بها خطوة مهمة لضمان تعافٍ مستدام وتقليل احتمالات الانتكاس.
الخاتمة
التعافي النفسي بعد الكوارث عملية طويلة تتطلب إستراتيجيات متكاملة تبدأ من التدخلات العاجلة وصولًا إلى خطط دعم مستدامة. ومن خلال الاستثمار في الدعم النفسي الأولي، وتمكين المجتمعات، وتدريب الكوادر، وتبني البرامج العلمية، يمكن تحويل آثار الكارثة إلى فرصة لبناء مجتمعات أكثر قوة ومرونة.
مصدر1 مصدر2مصدر3 مصدر4 مصدر5 مصدر6
المعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية